ابنِ عُثَيْمِين الْإِمَامُ الزَّاهِدْ
المؤلف :
ناصِرُ بنُ مُسْفِرٍ القُرَشِيُّ الزَّهْرَانِيُّ
الناشر :
مَطْبَعَةِ (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ)

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُو تَبْدِيلاً )الأحزاب23.

نُبذَة عن مُجلَّد ابنِ عُثَيْمِين الْإِمَامُ الزَّاهِدْ،،

فَقْدُ العلماء الرَّبانيِّين نازلةٌ كُبرى، وكارثةٌ عُظمى، وغياب حَمَلَة الوحى ثَلْمَةٌ فى الدين، ومُصاب للمسلمين، وألم للمُؤمنين، وحُزنٌ للمُوحدين، فكيف إذا كان الغائب ابن العثيمين ؟ وما هو الحال إذا كان المفقود هو الكنز الثمين ؟.

فلقد رُزِئت أمة الإسلام فى هذا الزمن بفقد أئمةٌ علماء، وهُداة أولياء، ودُعاة أصفياء، غابت أصواتهم، وانقطعت نبراتهم وتولَّى ركْبُهم، وانقضى نحبهم، وجف عطرهم وانتشر عقدهم وتحقق بُعدهم، ولكن العزاء فيهم: حياة آثارهم، وعبير أخبارهم وعَبَقِ أصدائهم، وجميل أنبائهم.

رحل الإمام الجليل والعالم النبيل الذى عَلَّقَت عليه الأمة آمالها بعد الله عزوجل، فإذا بركب العلم والإيمان كأنما يَتيهُون فى صحراء الحياة دون دليل يهديهم الطريق، وحادٍ يحدُوا الرَّكب، ومَشْعَلٍ يضئ الظلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، رَحَل الإمام الجليل فأمسكت بقلمى وأرسلته لِيُدَوِّن شيئا من خلجات الفؤاد وَأَصْدَرَتِ الرُّوح أمرها أن أكتُبَ كل ما هو كائن عن حدثِ موت الإمام، وبدأت هذه الرحلة العظيمة فى الرَّصد والمتابعة والتدوين لكل ما جاءت به أقلام المحبين فى إمامهم العظيم، وكتبت ذلك السِّفْرُ الذى ما هو إلا قطرة فى دموع الرِّثاء.

لقد منَّ الله علىَّ فكنت أول من ألف حول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله، إذ يجود علىَّ رب العالمين لأسْبِقَ لنَيْلِ رضى المُحبِّين بإيناسِ قلوبِهِم بكتاب عن ابن عثيمين حامل راية الدين وآمل من الله تعالى أن تجد قوافل المُحبين فى هذا الكتاب ما يسلِّى نفوسهم ويسعد قلوبهم، وأن يعظِّم به الحسنات، ويرفع به الدرجات، فهو الأعلم بالنيات، وتناولت فى ذلك المُجلَّد عَظَمَةَ هذا الإمام العلَّامة، والبحر الفهَّامة، ولكنها إشارات عابرة وخواطر موجزة، فماذا عساى أن أكتب فى سماحته إلا أنه كان رَحِمَهُ الله رَضِىَّ الخُلُق، خفيف الظل، دائمُ الإبتسامة، مشرِقَ الوجه مُتهلِّل الجبين، ليِّن الجانب، مُهذَّب العبارة، لا يستكبر ولا يتعاظم، حفيًا بالعلماء، ذاكرًا لفضلهم، متَأسِّيًا بهم، مُترَحِّمًا عليهم، مناضلاً عن جنابهم، ذائدًا عن حِيَاضِهِم، أخذ منهم أحسن السِّمات، وتحلَّى بأجمل الأخلاق، لا يدَّخِرُ وُسْعًا ولا يعرف كلَلًا، ولا يَضِنُّ بعلمه، ولا يفتُرُ عن نهجه، ولا يبخل بعونه، ولا يتمسَّك بكتابه، ولا يحتفظ بحقوق تأليفه، فَهُوَ عنصرٌ كريم، ومعدن شرفٍ عظيم، أصلٌ راسخ وفرع شامخ، ومجدٌ باذِخ، مُتمكِّنٌ فى علمه، مُتَأّنٍّ فى كلامه، مُدقِّقٌ فى عباراته، مُوثِّقٌ لِنُصوصه، مُحترمٌ لجمهوره، مُهتمٌ بطُلَّابه، مُعتنٍ بِمُريديه، مُكرِمٌ لمُجِيئيه، مُسعِدٌ لمسامريه، مُؤنِسٌ لمُجالسيه، عالى الهمَّة، عظيم الغَيْرة، ساكن الهيبة، رقيق الحاشية،خفيض الصوت، ذكى الفُؤاد، وهبه الله تَوقُّد القريحة ونَفَاذَ الصبر، وقوة الفهم ووضوح الحجة، وبيان المَحَجَّةِ، وجمال الرُّؤية، وصفاءُ النية وسلامةُ الطَّوِيَّة – كما نحسبُهُ- وحسنُ التَّأنى لما يحاول، مع كريمُ الخُلُق، وطيب التعامل، يتميز بنقاء السِّيرة وحُسنُ الإبانة، وعميق الديانة وأداء الأمانة وتالُّق اللغة وتأنُّقُ العبارة، ودِقَّة الإشارة وعُذوبة اللفظ، وغزارة الحفظ وإحكام الإبرام والنقضْ، ومتانة الكلام، وإجادة الإفهام، وجزالة الأسلوب وكسب القلوب، وحَسَنُ الشِّرح عما يَعْنِ من سوانح الفكر، وما وعاه صدره من أفانين العلم وقطوف المعرفة كثير،، فهو دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسُّنة، واسع الإطِّلاعِ على آراء المُفسِّرين، والمُحدِّثين والفُقهاء والأُصُولِيِّين، والمُتكلِّمين، واللُّغَوِيِّين، والبلاغييِّن.

فلقد طلعت شمس الفقه من أُفُقِ أفكاره، وتفجَّرت ينابيع العلم من خلال آثاره، وجرَتْ فى أنفُسِ المُحبِّين روائع أنهاره، جلَّا بكلامه الأبصار الكليلة، وشحذ بموعظِه الأذهان العليلة، وسلك فى طريق العلم خير وسيلة، فلم ولن يُهزَمُ من كان الكتاب والسُّنة دليله،،

فاللهم اغفر ذنبه وارفع درجته وأكرم نُزُلَهُ ووسِّع مُدخَلَه إنك سميعٌ مُجيب، ولا حول ولا قوة إلَّا بك، عليك توكَّلنا وإليك أنبْنا، وأنت على كل شئ قدير،،،

وهذه بعض أبيات الرثاء من قصيدةٍ بعنوان (حادِىَ الرُّوح) التِّى نُظِمَت فى سماحة الشيخ الفقيد ابن العُثيَمِين رحمه الله:

 

 

تَـمَزَّقَتْ مُـهْجَتِي وَاهْـتَزَّ وِجْـدَانِي وَقُـوِّضتْ خَـيمتي وَانْـهَدَّ صِيوَاني
وَجَـفَّ نَـهرٌ مـن الإجـلال فـي لـغتي وَأَجْـدَبَتْ كَلُّ خضراءٍ بِبُسْتَانِي
فـي لُـجَةِ الْـهَوْلِ والأمـواجُ تَـعصِفُ بـي يـغيب طاقَمُ إِبحارِي وَرُبَّانِي
مــا لِـلـحَوَادِثِ تَـرْمِـينِي قَـذَائِـفُهَا بِـوَابِـلٍ مــن لَـظَـى هَــمٍّ وَأَحْـزَانِ
كَمْ بِتُّ يُدْمِى فُؤَادِي من فَوَاجِعِهَا وَأَيْقَظَتُ مِن هُمُومِي كُلَّ وَسْنَانِ
وأشـعلتُ مـن ضِـرَامِ الـهَمِّ فـي كبدي وبَلَّلْتُ بِدُمُوعِ الحُزنِ أَجْفَانِي
عَـامان أبكي على شيخي وأَندُبُه واليومَ أَفْجَعُ فِي مَحْبُوبِيَ الثَّاني
مـــات الـعـثـيمين فَـالْأَلْـبَابُ ذَاهـلـةٌ والـهـمُّ يَـكـوي حَـنَـايَاناَ بـنِـيرَانِ
تَـبَدَّدَتْ أَحْـرُفِي مـن هـول مـا كَـتَبَتْ وأجْـهَشَت بالبكاء المُرِّ أّوْزَانِي
مـا أعـظم الخطبُ ما أدهى مصيبتنَا فالأرضَ تَندِبُ إذْ وَلَّى الإِمَامَانِ
ودولــةُ الـعلمِ تَـشْكُو مـن تَـهَدُّمِها وبـؤسها بـعد أن مـات الـرئيسان
يــارب رُحـمَـاكَ مــن أمــرٍ يُــرَادُ بِـنـا مـا لـلأئمة فـي مـوتٍ ونُـقْصَانِ
يَــا مَــوتُ قَـرَّحـتَ أجـفـاناً مُـسَـهَّدَةً بـفـقد صـفـوةِ أحـبـابٍ وخِـلَّان
يـا رب فـاجْبُر مُـصَابًاً فـي أئِـمَّتِنَا وامْـنُنْ بحُسنِ الرِّضى يا خير منَّان
وكـلُّ مـن صـاغ حـرفًا فـي مـودَّتِهِم أُهـدِي إلـيه تحيَّاتي وشُكراني
يـاربِّ يـا سـامعًا صوتِي ومسْألتِي يا واسع الفضلِ في عَفْوِ غُفْرَانِ
امْـنُـنْ عـلـيه بـغـفرانٍ ومـنـزلةٍ عـظـيمةَ الـقـدْرِ فـي جـنَّات رِضْـوَانِ
فـي رِفْقَةِ المُصطفى الهادي وصُحْبَتِه مُنَعَّمُ القلبِ في رَوحٍ ورَيْحَانِ

 

 

هل أعجبتك ؟؟ .... انشرها الآن على الصفحات الإجتماعية ..

التعليقات

أضف تعليق