مُوجَزُ قِصَّةِ الْمَشْرُوعِ
 
بَدَأَتْ فِكْرَةُ هَذَا المَشْروعِ بِرَغْبَةٍ مُلِحَّةٍ لَدَيَّ فِي تَأْلِيفِ كِتَابٍ فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِأُسْلوبٍ عَصْرِيٍّ، وَمَنْهَجٍ تَجْديدِيٍّ، وَنَظْرَةٍ عَالَمِيَّةٍ, وَرُوحٍ إِنْسَانِيَّةٍ, تَلْفِت انْتِبَاهَ النَّاسِ إِلَى جَميلِ سِيرَتِهِ صلي الله عليه وسلم، وكَريمِ سُنَّتِهِ، وعَظِيمِ أَخْلَاقِهِ، وَرَوَائِعِ شَمَائِلِهِ, وتُحَبِّبُ الأَجْيَالَ فِي قِرَاءَتِها والاِسْتِمْتَاعِ بِهَا، وتَخْرُجُ بالسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ عَنْ بَعْضِ الرَّتَابَةِ الَّتِي دَرَجَتْ عَلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ المُؤَلَّفَاتِ، وعَنِ اخْتِزالِها في سَرْدِ المَعَارِكِ والغَزَوَاتِ حَتَّى أَصْبَحَتِ السِّيرَةُ وكَأَنَّمَا هي مُجَرَّدُ غَزَوَاتٍ وَحُروبٍ، عِلْمًا أنَّ ذلِكَ الْقِسْمَ -عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ- مَا هُوَ إِلَّا جُزْءٌ يَسِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وهُوَ مَا يُسَمَّى بالمَغَازِي، وإِنَّ القُلُوبَ والأَرْوَاحَ بِأَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى الاِطِّلَاعِ عَلَى تَفْصِيلَاتِ حَيَاتِهِ صلي الله عليه وسلم، والتَّعَرُّفِ عَلَى شَخْصِيَّتِهِ بِكُلِّ جَوَانِبِها، والإِلْمَامِ بِهَدْيِهِ وسِيرَتِهِ ومَسِيرَتِهِ في كُلِّ شُؤُونِ الحَياةِ، وهُوَ مَا يُثْمِرُ قُوَّةً في الْإِيمَانِ، ورُسُوخًا في الحُبِّ, وَثَبَاتًا فِي الاقْتِدَاءِ, وتَرْبِيَةً للنُّفُوسِ، وَسُمُوًّا فِي الأَخْلَاقِ, وَرِفْعَةً فِي الْحَيَاةِ.
 
 
وَفِي أَوَاخِرِ عَامِ 1427هـ وَجَدْتُ نَفْسِي أُمْسِكُ بِالْقَلَمِ وأَنْطَلِقُ عَلَى بَرَكَةِ اللهِ؛ لِتَأْلِيفِ ذَلِكَ الْكِتَابِ الَّذِي كُنْتُ أَطْمَحُ إِلَيْهِ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم مُؤَمِّلًا أَنْ أَعْمُرَهُ بِرُوحٍ تَجْدِيدِيَّةٍ, وَكِتَابَةٍ عَصْرِيَّةٍ, وَأَنْ يُتَرْجَمَ بِعِدَّةِ لُغَاتٍ، وَقَدِ انْطَلَقْتُ فِي الْكِتَابَةِ فِي شَوْقٍ وسُرُورٍ وهِمَّةٍ عَجِيبَةٍ، وَأَخَذْت أَمْزُجُ اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ؛ فَشَعَرْت بِإِحْسَاسٍ غَرِيبٍ، وانْدِفَاعٍ عَجِيبٍ ظَلَّ يَتَنَامَى في قَلْبِي، وَيَتَرَاءَى لِنَاظِرِي، ويَفْتَحُ أَمَامَي مَعَ كُلِّ إِشْرَاقَةِ صَبَاحٍ آفَاقًا جَدِيدَةً، وإِضَافَاتٍ فَرِيدَةً، فَتَطَوَّرَ الأَمْرُ مِنْ مُجَلَّد إلى مُجَلَّدَيْنِ إِلَى ثَلَاثَةٍ، بَعْدَ ذَلِكَ شَعَرْت بِأَنَّ الأَمْرَ أَبْعَدُ مِمَّا كَانَ فِي ذِهْنِي بِكَثِيرٍ, حَيْثُ تَزَاحَمَتْ عَلَى فِكْرِي الْمَعَانِي، وتَسَابَقَتْ إلَى قَلْبِي الفُتُوحَاتُ، واتَّسَعَتِ الآفَاقُ، وانْهَالَتِ الْأَفْكَارُ لِتَتَحَوَّلَ تِلْكَ الْفِكْرَةُ الْمُتَوَاضِعَةُ إِلَى فُتُوحَاتٍ كَبِيرَةٍ، وإِنْجَازَاتٍ عَظِيمَةٍ، وابْتِكَارَاتٍ خَلَّاقَةٍ، ومَشْرُوعٍ إِنْسَانِيٍّ عَالَمِيٍّ عُنْوَانُهُ (السلام عليك أيها النبي), يُصْبِحُ مَحَطَّ أَنْظَارِ الْعَالَمِ، وَتَتَّفِقُ كَلِمَةُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَشْرُوعُ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ الْأَضْخَمُ فِي التَّارِيخِ فِي التَّعْرِيفِ بِالنَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم، وَخِدْمَةِ سُنَّتِهِ، وسِيرَتِهِ الْعَطِرَةِ بِأَرْوعِ الأَسَالِيبِ الْحَضَارِيَّةِ وَالوَسَائِلِ التِّقَنِيَّةِ. وِإِذَا بِالْفِكْرَةِ الَّتِي انْطَلَقَتْ لِتَكُونَ كِتَابًا فِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ تَتَوَسَّعُ لِتَكُونَ أَكْبَرَ مَوْسُوعَةٍ فِي التَّارِيخِ؛ حَيْثُ يُتَوَقَّعُ لَهَا أَنْ تَزِيدَ مُجَلَّدَاتُهَا عَنْ خَمْسِمِائَةِ مُجَلَّدٍ، مِمَّا جَعَلَني أعتكف عَلَى الكِتَابَةِ والإِبْدَاعِ والإِنْجَازِ، وأنْقَطِعُ عنْ كُلِّ شَوَاغِلِ الْحَيَاةِ، وَأَتَفَرَّغُ تَفَرُّغًا تَامًّا لِهَذَا الْمَشْرُوعِ وَقَدْ مَرَّتْ بِي إِلَى كِتَابَةِ هَذِهِ الْأَوْرَاقِ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّ سَنَوَاتٍ، أُوَاصِلُ فِيهَا اللَّيْلَ بِالنَّهَارِ دُونَ كَلَلٍ أَوْ مَلَلٍ بِفَضْلِ اللهِ تَعَالَى، مُسَخِّرًا وَقْتِي وجُهْدِي وَمَالِي وَقُدْرَاتِي وَإِبْدَاعَاتِي وَمَوَاهِبِي لِهَذَا الْعَمَلِ الْجَلِيلِ؛ حَتَّى كَانَتْ هَذِهِ الثِّمَارُ العَظِيمَةُ والفُتُوحَاتُ الكَرِيمَةُ، وَالْإِبْدَاعَاتُ الْعَدِيدَةُ، وَالْإِنْجَازَاتُ الْجَلِيلَةُ الَّتِي تَمْلَأُ الْأَرْوَاحَ طَرَبًا، وَالْأَنْفُسَ عَجَبًا. 
 
 
فَهَذِهِ مَعَارِضُ وَمَتَاحِفُ (السلام عليك أيها النبي) الْعَالَمِيَّةُ الْحَضَارِيَّةُ الْإِبْدَاعِيَّةُ تُجَسِّدُ سِيرَةَ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم وَمَسِيرَتَهُ بِأَحْدَثِ الْأَسَالِيبِ الْعَصْرِيَّةِ وَالْوَسَائِلِ التِّقْنِيَّةِ، وَهَذِهِ قَنَاةُ السلامُ عليكَ أيُّها النبيُّ الْفَضَائِيَّةِ تُعَطِّرُ الْأُفُقَ بِرَوْعَتِهَا، وَتُطْرِبُ الدُّنْيَا بِسُمُوِّهَا كَأَوَّلِ قَنَاةٍ مُتَخَصِّصَةٍ فِي التَّعْرِيفِ الْحَضَارِيِّ بِالنَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم، وَتِلْكَ مَكْتَبَةُ (السلام عليك أيها النبي) الَّتِي يُرَادُ لَهَا أَنْ تَكُونَ أَكْبَرَ مَكْتَبَةٍ نَوْعِيَّةٍ تَجْمَعُ كُلَّ مَا كُتِبَ عَنِ النَّبِيِّ صلي الله عليه وسلم، وَهَذِهِ الْمَوَاقِعُ الْإِلْكْتُرُونِيَّةُ وَالْبَوَّابَاتُ الْعَالَمِيَّةُ وَشَبَكَاتُ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِيَّةُ، وَتِلْكَ فُرُوعُ الْمَشْرُوعِ تَنْطَلِقُ مَسِيرَتَهَا فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ، حَامِلَةً أَجْمَلَ الْمَعَانِيَ وَأَرْوَعَ الْمَبَانِيَ، وَهُنَا إِشْرَاقَةُ الْمُؤَلَّفَاتِ التَّجْدِيدِيَّةِ، وَالْإِنْجَازَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَبَاكُورَتِهَا كِتَابُ  السِّيرَةُ الْيَسِيرَةُ وَالسِّيرَةُ الْوَجِيزَةُوكَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَتِلْكَ جَامِعَةُ (السلام عليك أيها النبي) وَغَيْرُهَا مِنَ الْمَعَاهِدِ وَالْمَرَاكِزِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ الَّتِي بَدَأَتْ تَشُقُّ طَرِيقَهَا بِفَضْلِ اللهِ عز وجل وَكَرَمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُنُونِ الْإِبْدَاعِ، وَفُيُوضَاتِ الْإِمْتَاعِ، وَمَشْرُوعَاتِ الْخَيْرِ، وَفُتُوحَاتِ الْعِلْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.
 
 
وَلَقَدْ بَادَرْتُ مُنْذُ أَنِ اسْتَشْرَفْتُ مُسْتَقْبَلَ هَذَا الْمَشْرُوعِ ومَرَامِيهِ وآمَادِهِ إِلَى اسْتِقْطَابِ عَدَدٍ مِنَ الكَفَاءَاتِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الْعُلَمَاءِ والبَاحِثِينَ والْمُتَخَصِّصِينَ فِي الدِّرَاسَاتِ القُرْآنِيَّةِ والْحَدِيثِيَّةِ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّخَصُّصَاتِ، فَكَوَّنْتُ مِنْهُمْ فَرِيقًا عَلْمِيًّا يَعْمَلُ مَعَي فِي إِنْجَازِ هَذَا العَمَلِ العِلْمِيِّ العَظِيمِ, ثُمَّ بَنَيْتُ كِيَانًا إِدَارِيًّا و فَنِّيًّا وتِقْنِيًّا لِلْمَشْرُوعِ حَتَّى تَطَوَّرَ هَذَا العَمَلُ الْمُبَارَكُ مِنْ مُجَرَّدِ بِضْعَةِ أَفْرَادٍ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ مَجْمُوعُ العَامِلِينَ بِالمَشْرُوعِ يُقَارِبُ مِائَتِيْ فَرْدٍ مَا بَيْنَ عَالِمٍ وبَاحِثٍ وإِدَارِيٍّ ومُوَظَّفٍ، وسَوْفَ يَتَضَاعَفُ هَذَا العَدَدُ عَنْ قَرِيبٍ بِإِذْنِ اللهِ عز وجل وتَوْفِيقِهِ.
 
 
وَلَقَدْ وَفَّقَنِي اللهُ عز وجل أَنْ وَضَعْتُ لِنَفْسِي مَنْهَجًا مُحْكَمًا وَطَرِيقًا بَيِّنًا لَا لَبْسَ فِيهِ؛ حَيْثُ أَقَمْتُ هَذَا الْمَشْرُوعَ الْعِمْلَاقَ بِكُلِّ أَقْسَامِهِ وَفُرُوعِهِ وَمَنَاشِطِهِ عَلَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ، فَلَا آرَاءَ وَلَا مَذَاهِبَ وَلَا أَقَاوِيلَ، وَلَا خِلَافَاتِ، بَلْ هُوَ الْعَوْدَةُ إِلَى النَّبْعِ الصَّافِي، وَالأَنْهَارِ الرَّقْرَاقَةِ، والوَحْيِ الزُّلَالِ.
 
 
وَلَمَّا رَأَيْتُ مَا أَنْعَمَ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ هَذَا الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ الْعَظِيمِ، وَالْعَمَلِ الإِيمَانِيِّ الْكَرِيمِ، وَمَا يَسَّرَهُ عز وجل مِنْ مَشْرُوعَاتٍ، وَمَنَّ بِهِ مِنْ عَطَاءَاتٍ، وَمَا هَتَفَ بِهِ كبار عُلَمَاء الأُمَّةِ وَمُفَكِّرِيهَا مِنْ إِشَادَةٍ بِهَذَا الْمَشْرُوعِ العظيم، وَفَرَحٍ بِهِ وَاسْتِبْشَارٍ بِآثَارِهِ الْعَالَمِيَّةِ الْمَرْجُوَّةِ؛ قَرَّرْتُ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ عز وجل بِأَنْ جَعَلْتُهُ وَقْفًا فِي سَبِيلِ اللهِ عز وجل؛ لأَرْتَقِيَ بِهِ عَنْ أَيِّ هَدَفٍ مَادِيٍّ أَوْ حَظٍّ دُنْيَوِيٍّ، ولِيَشْعُرَ كُلُّ مُسْلِمٍ -بَلْ كُلُّ إِنْسَانٍ- أَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا، وَلِتَكْمُلَ بِإِذْنِ اللهِ عز وجل الْفَرْحَةُ بِهِ، وَلِيُبَارِكَ اللهُ عز وجل فِيهِ وَفِي ثِمَارِهِ وَنَشَاطَاتِهِ، وَأَسْأَلُهُ عز وجل أَنْ يَتَقَبَّلَهُ وَأَنْ يُبَارِكَ فِيهِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ الْبَشَرِيَّةَ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.
 

هل أعجبتك ؟؟ .... انشرها الآن على الصفحات الإجتماعية ..

التعليقات

أضف تعليق