مًصلِحُون لا مُفسِدُون
المؤلف :
ناصِرُ بنُ مُسْفِرٍ القُرَشِيُّ الزَّهْرَانِيُّ
الناشر :
مَطْبَعَةِ (السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ)


أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

 

يـاخليلَيْنِ بالمُنَى علِّلَانى واسكُبا خمرة الهوى واسقياني

مـلتقى بـاسمٌ ولـيل جـميل وقـلوب تـهفوا إلى المُهرجانِ

ألهميني ياروعة الضَّاد لحنًا وابعثى فى دمى لهيبَ البيان

وانـثريه عـلى الـمحبين عـطرًا وابـعثي قـلائدًا مـن جُـمانِ

أرسـلـيه تـمـرُا وجـمـرًا وخـمـرًا وأنـيـنًا وروعــة مـن أغـانِ

هـــذه سُــنَّـة الـحـياة هـمـوم وغـمـوم وسـلـوة وتـهـانى

يـا إلـهى ومـن إلـيه اتِّجاهى ياعظيمًا لِسِرِّ عمرى هداني

فـيك حُبِّى ورغبتى واشتياقى وسرورى وسلوتى وأمانِى

نـوِّر الـقلب يسِّر الحزن وحده لأن الرُّوح عُقدةً من لسانى

أنا صوتٌ من مهبِط الوحى فيه روعة الحق وازدهار المكان

جـئتُ عـلمًا وحـكمةً وقـصيدًا وغـناءًا يُنسى لُحون الكمانِ

فـى حـروفى تـألُّقُ مـن حِـراءِ وصـفاءٌ من فيضِ رُكنٍ يمانِ

وشـفـاءٌ مــن زمــزمٍ وضـيـاءٌ أحـمـدىُّ مـن مـولد الـعدنان

مـكة الـطُّهر مـأرزُ الـحقِّ مـنها شـعَّ فـجر التوحيد والإيمان

يـوم كـان الـنبى يـلقى صُـنُوفًا مـن نـكالٍ وفـتنةٍ وامـتحانِ

وأتــاهُ جـبـريل مُـرنِى فـإما أن يُـبادوا أو يُـطبَقَ الأخـشبان

فــيـردُّ الـرحـيـم ردَّا زكــيَّـا بــحـروفٍ مــن الـرِّضـا والـحـنان

والأمــان فــي كـفِّهِ بـاسمات وأريـج الـتقوى ورَوْحُ الـجنان

 

باقة من بستان الإصلاح، رأينا كثيرًا من الدعوات التى تدَّعى الإصلاح وتتغنَّى به فتعزف على أوتاره، وتزعم أنها من أنصاره، رأينا الأفكار المتعددة والآراء المتباينة والتوجهات المختلفة التى قد يختلط لدَى بعضها الإصلاح بالإفساد، والهدى بالضلال والنصيحة بالفضيحة، والتبشير بالتنفير، والجهاد بالإرهاب، وفى خِضَمِّ ذلك كله قدحتُ زِند العلم وأشعلتُ مصابيح الهُدى، وعُدتُ إلى الكتاب الكريم والذِّكر الحكيم، عدت إليه فى سياحة إيمانية وقراءة تأمُّليَّة فيما تحدَّث به عن الإصلاح، عدت إليه لأنه كلام الواحد الأحد الذي خلق الإنسان ويعلم ما يصلحه وما يُفسده، ففُتِحت أمام المغاليق، وظفِرَتْ روحي بأسرار، وطربت نفسى لأخبار، لقد وجدت فيه ما يُقنع ويمتع، ويعجب ويقرض، فأتيت بقطرات من أنهاره ونسمات من أزهاره، مُضيفًا إليها بعض الخواطر، مُفعِمًا لها فيض المشاعر، لعلَّ فيها رِىَّ المظامِئ  وسلوةً  لمحب ونُصحًا لمسلم وسعادة لمؤمن، وضياءًا لمصلح، إنها رسالة قلب، وومضَة فكر، وخلاصة تجربة تأتى كالنسيم العليل لتشفى الغليل، وكانبثاقه الصباح لتسعد الأرواح، وتُهدَى إلى عُشَّاقِ الإصلاح،

 

أتـيـت والـحـب والأشــواق تـعـمرني وفــى حـروفـي عـبـير الـلـيل والـحرمِ

وزمزمُ المُصطفى والرُّكنُ فى لغتي والخير والمشْعَرُ الأسمى على علمى

مـن مـنهج الـدين أفـكاري وقـافيتي وروعـة الـصدق والإخـلاص عطر فمى

 

دعوات الإصلاح، الذين يحاولون الإصلاح كُثُر، وهو شرفٌ تحاول جهات عِدَّة أن تدَّعِى أنها أولى به وله أقرب ولأجله تناضلُ، وهنالك مناهج متعددة وتوجُّهاتٍ مُختلفة، وأهمها خمسة اتِّجاهات

الأول: إصلاح على الطريقة الصليبية الحاقدة والصهيونية الفاسدة، وتمثِّلُه السياسة الأمريكية في العصر الحاضر، التى ترفع شعارات الإصلاح للعالم ونشر العدل والحرية والمساواة، فتمارس الظلم والقهر والقتل والتشريد والاعتداء بحُجَّة الإصلاح، فملأت الأرض فسادا وأرهقت الدنيا خرابًا.

 

الاتجاه الثاني: إصلاح على طريقة العلمانيين والمنافقين ومن سار فى رِكابهم، والإصلاح عندهم يقوم على أنقاضِ الدين وعلى إطفاء العقائد والتَّحلُلِ من القِيَم والتَّنَصُلِ من المبادئ وتنحِيَة الشَّريعة

 

التوجه الثالث: إصلاح على طريقة العُنفِ والإرهاب والتَّكفير والتَّفجير وإثارة الخوف وإشاعة الفوضى واستباحة الدِّماء، ويرون أن ذلك هو الأسلوب الأمثل للإصلاح والطريق الأجمل للتغيير، ويبررُّون كل وسيلة لهذه الغاية .

 

التوجُّه الرابع: إصلاح على طريقة المعارضة الخارجية، وأغلب هذه الدَّعوات تكون من أُناس مهزومين وفئات مهلكين، وغالبا ما يبنون دعواتهم للإصلاح على الافتراءات الباطلة والكذب الصَّراح وبثٍّ الفُرقة، وتلمُّس العيوب وتصيُّدِ الأخطاء وتعمُّد التشهير .

 

الاتجاه الخامس: إصلاح على طريقة العلماء الناصحين والدُّعاة المخلصين والنُّبلاء الغيورين، الذين يعلمون أن الذى أوجَد الكون وخلق الخلق هو الأعلم بما يصلحهم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير!، وأنه جَلَّ وعلا بيَّن السبيل الأقوم لإصلاح الحياة، والعارفون فى الله وكتابه وسنة نبيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-، هم الأعلم بمُرادِه جلَّ وعلا، فيسعون للإصلاح فى سبيل الله، على نور من كتاب الله، على منهج الأنبياء وأسلوب الحُكماء .

 فهذا عرض مُوجز لتلك التوجهات التى ستَرِدُ معنا فى أثناء هذه الرسالة .

 

معنى الإصلاح: الإصلاح ظاهرة صحية وسِمَة إيمانية ودلالة قوية على علوِّ الهمة وقوة العزيمة واحترام الذات وحب الخير ورفض الذُّل والركون والرُّكُود، ومن قبل ذلك هو مطلب شرعي إيماني لا تقوم الحياة إلا به، والإصلاح نقيض الإفساد، وهو بمعنى الاستقامة والاعتدال والتَّقويم، وأصلح الشئ أقامه،والفساد بمعنى خروج الشئ عن الاعتدال والإستقامة، وهو جعْل الأشياء والأمور والتصوُّرات فاسدة.

جولة فى بساتين الإصلاح، الإصلاح كلمة جميلة للمَبْنَى، رائعة المعنى حسنةٌ فى النطق عذبة فى السمع، تبُثُّ الهدوء وتبعث الرِّضا وتبسُطُ الأمل، إنها بأحرفها الرائقة ونغمتها الفائقة أضحت كالغادة الحسناء الفاتنة، كلُّ يتغنَّى بحبها ويتمنى وصْلَها ويهتف لعشقِها، ولكن من المُوفَّق للظَّفَرِ بها، والارتِماء فى أحضانها والرَّشف من رضابها، الإصلاح أشْبَهُ بباقة الورد الزَّكيَّة الرَّائحة، البهيَّة اللون، من الناس من يُحسن التعامل معها، فيقدمها للأحبَّة باقةٍ مُبهِجَةٍ تطربُ لها النفس وتنتشي بها الرُّوح وتُغرِّدُ لها المشاعر، يسقيها بإخلاصه ويرويها بحبِّه، ويُهذِّبُها بحكمته، فإذا بها تسر النَّاظرين وتسعد العاشقين، ومن الناس من يسيء التعامل معها فيفسد جمالها، ويُذهِبُ رُوَاءَها، ويُفسِدُ بهجتها ويُكدِّرُ صفوها بسوء فعله، ويُذهب ريحها بخُبْثِ قولِه، ويُمزِّق جمالها بحماقته وجهله، بل ويحيلها إلى أشواك، ويُصيِّرُها إلى هلاك،فإذا الدنيا تنادى خِبْتَ وخاب مسعاك، كم من مُدَّعِ للإصلاح وليس من أهله، ومُنادٍ به وهو من مَعاوِلِ هدمه،تاهت به السُّبُل وزاغت به الأهواء وغابت عن البصيرة فإذا بها شعارات جوْفاء وعبارات حمْقاء، بل كم من دعوات للإصلاحِ أوْرَثَت فسادًا كبيرا، وزرعت بُؤسًا مريرا، وفى المقابل، نجد دعوات للإصلاح على مرِّ التاريخ تبنَّاها أُناسٌ صالحون مُصلحون، فأشرقت بهم الدنيا واستضاءت بهم الحياة، وحيَّتهم الأُمم وأنِسَت بهم الشُّعوب، وكانوا رحمةً وهُدى وسعادةً ورضا وعلى رأسهم الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه،ثم التابعون لهم بإحسان على مرِّ العصور، وإن أمة محمد صلى الله عليه وسلم هى التى حملت راية الإصلاح فى الدنيا، فلم تعرف البشرية فى تاريخها أصْدق منهم فى الإصلاح ولا أعْظَمَ إعمارًا، ولا أحكَمَ دعوة،ولا أكمَلَ حضارة ولا أزكَى منهاجا، ولا أسْمَى دُستُورا، ولا أجمل تعاملا، ولا أعْدَلَ حُكمَا، لقد مرَّت بحياة هذه الأمة فترات من الضَّعف والهوان والتَّفرُّق والجهل، فقيَّض الله لها من العلماء والنُّبلاء والعُظماء من حملوا ألوِيَة الإصلاح ورفعوا أعلام الكرامة فأيقظوا الهِمم وأحيُوا العزائم، وبدَّدُوا ظُلمات الجهل وهتكوا أرَدِيَةَ الضعف، وهتكوا أستار الهوان، فغرَدت بلابل المجد وصدحت حمائم الخير، وعبقت نسائم الهُدى وأشرقت شموس الإصلاح، وفى هذه العصور المُتأخِّرة وبعد التآمر المرير علينا وتمزيق شملنا وتفتيت وحدتنا، أهملت الأمة المسلمة راية الإصلاح، وتقاعست عن واجب العمل، وتخلَّت عن أسباب التقدُّم، وتنكًّبَت سُبُل العلم ومضت فى دروب الفُرقة ورضيت بالهوان، وركنت إلى الذُّل، فأصبحت عالة على الأمم، ومثلاً فى التخلف، ومرتعًا للجهل ومطمعًا للأعداء، وظهر الفساد فى برِّها وبحرها، فساد فى المُعتقد إلا من رحم ربُّك، فساد فى الفكر، فساد فى الأُخُوَّة، فساد فى القوة، فساد فى التعامل، فساد فى الإقتصاد، فساد فى السياسة، فساد فى فهم الدين، فساد فى الأذواق، فساد فى الأخلاق، وهكذا، ولكن مع كل هذا الليل البهيم من الفساد، فإن هنالك نجوم تظلُّ تخترق ظُلمتَه وتُبدِّدُ حُلكته، وتهدى الحائرين، وتُضئ للسائرين، وقد ظلَّ حملة الإصلاح على مرِّ تاريخ هذه الأمة كالبذور المضيئة والشُّموس الساطعة إلى يومنا هذا

 

 

أنـرْنا ظـلام الكون بالعلم والهُدى وحُسْنِ النُّهَى فى ظلِّ وحىٍ وإرشادِ

سَرَى عطرنا فى الأرض واهتزَّت الرُّبى على نغمات الحقِّ من خير وُرَّادِ

سَـلُوا كـلَّ بـحرٍ عن علانا ويابس، سَلُوا السارِ والصَّحراء والتل والوادى

سَـلُـوا الـمـغرب الأقـصـى وأزهــار فــارسٍ وأمــواج أوروبــا وآثـار بـغدادِ

تُـجلِّى لكم من دفترِ المجد أسطُرًا محيطاتها من أطْلَسِيِّ ومن هادى

 

 

وإن كثيرًا من المسلمين اليوم أدركوا ما تتلطَّخ بهِ حياتهم من الفساد، وما يُشوِّهُ وجهها من الخلل، فبدأُوا يتطلَّعُون إلى الإصلاح فى كل المجالات والتَّقويم لشتَّى المسارات، ولا تزال فى كل بلد طائفَةٌ مُحِبَّةٌ للخير، ساعية للإصلاح، مُعينةٌ على الرُّقِى، تسلك لذلك أحسن السُّبُل وتمضى على أجمل الطُّرُق، وإن المملكة العربية السُّعودية على رأس هذه الدُّول المسلمة صلاحًا وإصلاحا، تُطبِّقُ شريعة الله وتحرسُ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحكم بالعدل وتنأى عن الظُّلم والجوْرْ، وهى ملاذُ المؤمنين وقبلة المُوحِّدِين، وهى ليست كاملة ولم تدَّعِ الكمال، بل هى فى حاجة إلى كل ما يُسهِمُ فى إصلاح أمورها، وترقِّى سياساتها وتقدِّمِ أبناءها، وهى تسير فى دروب الإصلاح بخُطًا مُتَّزِنَة، وتفتح الباب على مِصراعيه لكل مُصلحٍ صادق مجتهد مخلص، ناصح حكيم، يصلح ولا يفسد، ينفع ولا يضر، مُحبُّ لبلده صادقٌ فى نهجه، حكيم فى أسلوبه رفيق في تعامله، لا يثير الفِتن ولا يشعل المِحَن ولا يُحدِث الفُرقة، وإن مما يُؤسفُ له أن برزت هذه الأيام بعض الأصوات وظهرت بعض الأفكار تدَّعِى الإصلاح وتُنادى بالإصلاح، وتتغنَّى بنُصْرة الدين والحٍرْصِ على البلاد والعباد، وليس لديها أثارةٌ من علم أو تاريخٌ من فضل، أو مددٌ من حكمة، أو وميضٌ من بصيرة، خالفت المنهج، وحادت عن الصراط وتهوَّرَت فى الأفعال،وتطرَّفت فى الأفكار، وزاغت فى المسيرة، فكانت فسادًا لا صلاحَا وأورثت شرَّا لا خيرا، وخوْفًا لا أمنا، وفتنة لا رحمة، فكان من الواجب على كلِّ عالم ناصح ومُصلحٍ صادق أن يقف فى وجه هذا الشر الزاحف إخلاصا لله تعالى وغيرةً على رونق الدين،ونُصْرةً لجلال المنهج، وحميَّةً لروعة الرسالة، وصيانة لأمن الناس وحفاظًا على أرواح المسلمين، ووقُوفًا فى وجه الفتنة وسدَّا لباب الفرقة وقطعًا للطريق على الأعداء المتربِّصين وحمايةً لدولة التَّوحيد وبلد الحرمين، ودحْضًا للشُّبَهْ، وتنبيها للعقول وتذكيرًا للقلوب وإقامة للحُجَّة، وهذه كلمات عابرة وورقات مُوجزة نقَشتُها بيدى ومزجتها بروحى، وأرسلتها من سُوَيْدَاء قلبي،وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه المصير .

الإصلاح في القران، حينما يعود المرء إلى النهر الرقراق والنبع المُتدفِّق إلى كلام الله جل وعلا، يجد ما يُطْهِرُ النفس ويُطرب الحس ويهز الوجدان ويبعث الإكبار والإجلال والخشوع والخضوع لهذا القران العظيم والمنهج القويم، والقران الكريم تحدَّث عن الإصلاح فى آيات كثيرة وبأساليب متنوَّعة، ولكنِّى هنا أقصُرُ الحديث على الآيات الواردة تحت مُسمَّى الإصلاح مباشرةً، والمُتأمِّل لها فى القران الكريم يجد الأتي، وردت كلمة الإصلاح بمشتقاتها فى القران الكريم فى حوالي 200 مرة، وردت كلمة الإصلاح فى أيات كثيرة مرتبَطَةً بكلمة الفساد ومُقابِلَةً لها، كقوله تعالى (( والله يعلَمُ المُفسِدَ من المُصْلِحْ))

وفى آيات أخرى وردت مُقابلة للسيِّئة، كقوله تعالى ((خلطُوا عملًا صالحًا وآخرَ سيِّئَا))، وردت كلمة الفساد وهى ضد الإصلاح حوالي 50 مرة .

ورد الربط الوثيق في القرآن الكريم بين الإيمان والإصلاح، كقوله تعالىٰ: (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأنعام:48]، وبين التقوىٰ والإصلاح كقوله تعالىٰ: (فَمَن اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأعراف:35]، وبين التوبة والإصلاح كقوله تعالىٰ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا) [البقرة:160]، وكقوله تعالى: (فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا) [النساء:16]،وبين العفو والإصلاح كقوله تعالى: (فمَنْ عَفَى وأصْلَحَ فأجْرُهُ على الله) وقوله تعالىٰ: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور:5].

يبين القرآن الكريم أن رسالة الأنبياء -عليهم السلام- هي الإصلاح: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) [هود:88].

أن الفساد وترك الإصلاح هو سبب كل نقمة، وأساس كل بلية، وعنوان كل شقاء. فهذه بعض الملامح العامة لهذا الموضوع في القرآن الكريم،

تبدأ قصة الصلاح والفساد من قبل خلق ابن آدم، حيث تخوفت الملائكة من وجوده في الأرض لأنها صالحة سليمة نقية، وقد يأتي إليها هذا المخلوق فيفسد فيها، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:30]. ونوع الاستفهام هنا -كما قال البلاغيون- هو استفهام استرشادي، وليس استفهاماً استنكارياً؛ إذ يستحيل على الملائكة أن يستنكروا شيئاً يريد الله له أن يكون، أو أن يعترضوا عليه -سبحانه-، وإنما هم يسألون عن الحكمة في ذلك، فيقولون: يا ربنا! ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون.

وقد علمت الملائكة من علم الله تعالىٰ أنه لا شيء أبغض إلىٰ الله من سفك الدماء والفساد في الأرض، وهذا هو المتحقق في هذا الزمن علىٰ يد بني آدم؛ فإن سفك الدماء ظاهرة مألوفة، بل لقد سالت الأرض بدماء الناس وأكثرهم أبرياء، بل وأكثرهم مسلمون، وكذلك الفساد، فلم تعرف الخليقة في تاريخها أشد فسادا ولا أعظم فجورا مما تتلطخ به الأرض في هذا الزمان. وبين لنا -جل وعلا- في كتابه أن الأنبياء -عليهم السلام- بعثوا إلىٰ أقوامهم للإصلاح ومحاربة الفساد والمفسدين، هذا هو صالح عليه السلام ينادي في قومه: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [الشعراء:150-152].

والإسراف هو تجاوز الحد فى كل شئ حتى ولو كان فى أمر محمود، فهذه الأية تدل على أن المُسرِف فى الشئ حتى ولو كان فى الدين لا يتأتَّى على يدَيْهِ الإصلاح، فكيف إذا أسْرف فى الباطل أو فى الشُّبَهْ والإتِّهامات!!

وها هو شعيب -عليه السلام- يهتف بالنداء نفسه: (ياقومِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [العنكبوت:36].، وسوف يكون لنا مع شُعيب عليه السلام وقفةً أطول.

وموسى -عليه السلام- ينادي في بني إسرائيل: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة:60]؛ وها هو يقدم النصيحة الغالية لأخيه: (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف:142]. إنه لم يكتفِ بنهيهِ عن الفساد، بل قبل ذلك سيأْمُرُهُ بالإصلاح لأنه سِمَةُ النُّفوس الزكية والهمَمِ العالية، وهنا ملْحَظٌ جميل!، فهارون عليه السلام نبىُّ كريمٌ مُصلِحٌ لا يمكنُ أن يمضى فى دروبِ الفساد، ولكنه الواجب العظيم على المصلحين أن يوصى بعضهم بعضا، ويُذكِّرُ بعضهم بعضا، فيتقبَّلُون الذِّكْرى ويشكون النَّصيحة دون تعالٍ أو امتِعاضْ.

وكذلك يُزجي موسىٰ هذه النصيحة الغالية إلىٰ قارون: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77].وهنا أيضًا ملحظٌ غاية فى اللَّطافة، فهو لم يقُل لقارون وأصْلِح كما أصْلَحَ الله لك، لم يأمره بالإصلاح مثل هارون، لأن قارون فاسد مُفسد، فكانت الموعظة بالدَّرجة الأولى أن نهاه عن الفساد بعد أن نَفَذ له بمحاولة هزِّ مشاعره، فكانت الموعِظَة بالدَّرجة الأولى أن نهاه عن الفساد بعد هذه الإيقاظة، وتذكيره بأن كلَّ ما لديه من أموال ومن عطاءٍ إنما هو إحسان وفضل من الله تعالى، فكان الأولى أن يقابل الإحسان بإحسان، ويُلاحَظُ فى الأية تكرار لفظ الجلالة 3 مرات، وما ذلك إلاَّ لعلَّ هذه الكلمة أن تهُزَّ هذا القلب القاسى المُعْرِض عن الله، ويُحدِّثنا القران عن موقف أخر، لموسى عليه السلام مع الإصلاح والإفساد، فاستمع إليه تعالى حيث يقول (ودخل المدينة على حِينِ غفْلَةٍ من أهلها فوجد فيها رجُليْن يقتَتِلان هذا من شِيعَتِه وهذا من عدُوِّهْ فاستغاثَهُ الذى من شيعتِهِ على الذى من عدُوِّهِ فوكَزَهُ موسى فقضى عليه قال هذا من عملِ الشيطان إنه عدُوُّ مُضِلِّ مُبين) إن فى هذه القصة درْسًا بديعًا غاية فى الأهمية حيث يعترف موسى عليه السلام أنَّ القتل من عمل الشيطان وليس من الخير والإصلاح فى شئ رُغْم أنَّ هذا المقتول من أعْدائه ومن الكافرين برسالته، فلَيْسَ من المُؤمنين به، وقد ندم موسى على ذلك أشَدَّ النَّدَم واعترف بِظُلْمِهِ لنَفْسِه وتاب الله عليه، ورُغم أن موسى أيضا لم يكن يقصد قتْلَ هذا الرجل أو تدمير حياته ولكن قدَّر الله تعالى بأن كانت تلك الوَكْزَة فيها نهاية لأنفاس الرَّجل، فحينما تكرَّر الموقف نفسه وجاء الرَّجُل الذى من شيعته مرة أخرى يستصرِخْ موسى لما يعرف عن موسى ومن شجاعة، يتكرر الموقف مرة أخرى، (فأصْبَح فى المدينة خائفًا يترقَّب فإذا الذى استنْصَرَهُ بالأمْسِ يستصْرِخُه قال له موسى إنَّك لَغَوِىُّ مُبين * فلمَّا أن أراد أن يبْطِشَ بالذِّى هو عدُوُّ لهما قال ياموسى أتُريد أن تقتلنى كما قتلت نفسًا بالأمس إن تريد إلَّا أن تكون جبَّارًا فى الأرض وما تريد أن تكون من المُصْلِحٍين)، وهنا لمَّا تكرَّرت الإستغاثة من الرجل الذى من شِيعَة موسى وذلك لِمُقاتلتهِ مع رجل أخر من الأقباط أعداء موسى، غضب منه موسى عليه السلام وقال له إنَّ: لَغَوِىُّ مُبين، وأقبل موسى مرة ً أخرى بدافع الحمِيَّة والشَّجاعة وهو يريد أن يبطش بهذا العدُو مرَّةً أخرى، ولكن الإسرائيلى الذى من شيعةِ موسى عليه السلام ظنَّ أنه قادم ليبطِشَ به هو لأنه قال له إنَّك لَغَوِىُّ مُبين، فقال له ياموسى أتُريد أن تقتلنى كما قتلت نفسًا بالأمسْ، لأن ما أحد يعرف عن هذا الخبر إلا هذا الرجل، لأن هذا الأمر وهو قتل القبطي لا يعلم أحد عنه إلا هذا الإسرائيلي، إن تريد إلا أن تكن جبَّارا فى الأرض وما تريد أن تكون من المُصلحين، تُؤكِّد الأية أن القتل من سمات الجبَّارين فى الأرض وليس من صفات المُصلِحين فى شئ، إن القصة دلالة قوية على أن المُصلِح لا يكون بحالٍ من الأحوال أن يكون من سيرَتِه ومن مِنهاجِه القتل، بل هو الإحياء والإسعاد والمُحافظة على أرواح الناس لأن القصد هدايتهم وإعمار أرواحهم بالإيمان لِيَحْيَوْ سُعداء فى الدنيا ويظْفَرُوا بالحياة الكريمة فى الأخرة، وذلك منهج الأنبياء على مرِّ التاريخ، فهلْ حفِظَ الدَّهر لأحدٍ منهم أن تلطَّخ بدماء الأبرياء؟ أو اسْتمْرَأ القتْل؟، بل أكَّد الإسلام هذا المعنى أشدَّ التأكيد ونفَّر منه أبْلَغ التَّنفير، فيقول تعالى (ومن يقتل مُؤمِنًأ مُتعمِّدًا فجزاؤُهُ جهنَّمَ خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنَهُ وأعدَّ له عذابًا عظيما) ويقول تعالى (ولا تقتلوا النَّفس) ما قال المسلم فقط، أى نفس، ( ولا تقتلوا النَّفس التى حرَّم الله إلا بالحق) وقال تعالى ( ولا تُلْقُوا بأيديكُمْ إلى التَّهْلُكَة وأحْسِنُوا إنَّ الله يُحِبُّ المُحْسِنِين )، وقال صلى الله عليه وسلم: من قتل مُعاهِدًا لم يجد رائحة الجنة، ويقول لا يزال المُؤمن فى فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دَمًا حراما، ولك أن تتأمَل مواقفه صلى الله عليه وسلم، مع من ناصَبَهُ العداء ودسَّ له المكائد وتآمرَ على قتله ( (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ( إني لأرجُوا الله أن يُخرِجَ من أصلابهم من يعبُدُه ولا يُشْرك به شيئاَ)، وقبل أن نُسبِل السِّتار على قصة موسى عليه السلام فإن لنا معه وقفة أُخرى.

ولقد ابتلي موسىٰ بفرعون وبني إسرائيل الذين بلغوا أقصىٰ درجات الفساد والفسق والضلال: (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ* الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ) [الفجر:10-12].

والأدهى من ذلك والأمر أن فرعون كان يدعي الصلاح والإصلاح ويتهم موسىٰ -عليه السلام- بالفساد، قال تعالىٰ: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر:26]، وهذا هو المنطق المعكوس عند أهل الكفر والضلال في كل مكان وزمان كما يفعل فراعنة العصر حينما يتآمرون علىٰ المصلحين، ويعلنون الحرب علىٰ المسلمين، ويشوهون صورة الناصحين، ويتهمونهم بأنهم يفسدون في الأرض، فلا بد من إعلان الحرب عليهم لإقامة العدل والحرية والسلام والأمن والديمقراطية!

فهذه السِّمة، سِمَة المغالطة يجليها لنا القرآن الكريم، ويبين أنها أسلوب يتبعه الكافرون والمجرمون كما سمعنا،وممن يمتطى صهَوَاتِ الإصلاح ظاهِرًا ويعزِفْ على أوتار إرادة الخير مَكْرًا المنافقون الذين يُبدون مالا يعتقدون ويتظاهرون بغير ما يُغمِرون، وقد فضح القران الكريم دعاويهم تلك ووصفهم بأنهم أهل الفساد والإفساد، قال تعالى ((فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) [البقرة:10-12]. إنه أسلوب يسلكه أيضا المنافقون والمراوغون والعلمانيون الذين يمتهنون الفساد، ويسعون للفسق، ويقودون البشرية إلىٰ المهاوي والمهالك.

ثم إذا ما دُعُوا لِلكَفِّ عن فسادهم قالوا نحن لا نفسد ولكننا نصلح، فهم ينادون بالتحلل والتفسخ والشهوات والشبهات واللهو والضياع والتنكر للدين، ويقولون هذا هو السبيل الأقوم للإصلاح والرُّقِي والحضارة.

إن المنافقين فى أى دين وفى أى مذهب وفى أى ملة وفى أى بلد هم أفَاعِى إفساد ولصوص مبادئ ومَعَوِلُ خراب، وإن فسادهم لعرِيض،وإن العلمانيين يركبون كلَّ موجة ويستغلُّون أى فُرصة لتحقيق آمالهم والنفوذ بسلطانهم، فما يفعل الكثير منهم فى مثل هذه الأيام حينما يمتطى صهوة الحرب على الإرهاب، فيتباكى على الدين ويتحسَّر على الدعوة، وينادى بالحرب على الإرهاب، وهو يقصد الحرب على الدين من أساسه، والثورة على المُثُل والتَّفَلُّت من العقيدة ويعزف على أوتار الوطنية وهو عدوُّها الأول، فحينما يكون الوطن مُسلمًا مُوحِّدًا، فيسعة هوه لسلبِهِ أغلى ما يملِك وطمْسِ هويَّتِهِ ومصدرِ عِزَّتِهِ وفخْرِهِ وهى حِيَلٌ لا تنطلِى ومكْرٌ لا يخْفَى وشَنْشَنَةٌ نعرفُها. وكما حذَّر القران الكريم من المنافقين ووصف أحوالهم حذَر من بعض الفئات الأخرى من المُتظاهرين بالإصلاح وهم سَدَنَةُ الفساد وأربابه، الذين يتشدَّقون بعبارات رنَّانة ويهتفون بكلمات خلَّابة تُطرب السامعين وتُعجِب المُتلقِّين، ويرفعون شعارات الإصلاح ويُنمِّقون عبارات الإصلاح ليستميلوا القلوب ويخدعوا الشُّعوب ويستميلوا التَّعاطُف ثم إذا تمكَّنُوا من الأمر وتبوَّؤُوا القيادة تكشَّفَت الدَّعاوى عمَّا تحتها من الخُبِّ والمكر وحُبِّ الفساد، قال تعالىٰ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة:204-205].

ومن أخطر دعوات الإصلاح تلك التى تتسمَّى بالدين وتدَّعى نُصرَة الحق وتُفسد بحُجَّة الإصلاح، وهؤلاء فريقان:

الفريق الأول: أُناس يتَّخِذون من الإسلام ستارا ومن الدين ذريعة، وكلُّ همهم الوصول إلى مطامح سياسية ومطامع دُنيوية، ولكنهم يُحاولون إلقاء الدين عليها لتَنطَلِى على دَهْماء الناس وعموم المسلمين، فتُثير تعاطُفا، وتجلب أنصارًا، مع أن دعاتها  لم يُعْهَد عنهم علم، ولا عُرِفَوا بعبادة، وليسوا أهل طاعة ولا اشتُهِرُوا بالتَّقوى، ولا شُهِدَ لهم باستقامة، ولم يكونوا من أنصار السُّنة أو حَمَلَةِ الوحى، وما هى إلا أعلام زورٍ خفَّاقة وشعارات مكرٍ برَّاقة ومع خطورة هؤلاء فإنَّهم فئة قليلة وشرذمة ذليلة .

والفريق الثانى: أُناسٌ يحبون الدين ويغارون على الإسلام ويتنافسون فى العبادة بل بعضُهُم تحسِدْ صلاتَك إلى صلاتِه وعبادتك إلى عبادته، ولكنَّهُم يمرقون من الدين كما يمْرُق السهم من الرَّميَّة، إنهم يقرأون القران ولكن لا يُجاوز حناجرهم، لا يفهمون معانيه ولا يدركون مرامِيه ولا يجيدون فهمه، ويقرأون السُّنة فلا يُعملونها فى حياتهم، ولا يمتثلون روعتها ولا يتزيَّنُون بردائها، وهى أنهار مُتدفِّقة من العطف واللُّطف والحكمة والعلم والبصيرة والحلم والأناة، إنَّهُم خِلْوٌ من العلم الشَّرعى المُؤَصَّل، أُترِعَت نفوسهم بالعواطف وأُجِّجَت مشاعرهم بالمواعظ، فخرجت العواطف من عقالها، وانفلتت المشاعر من أُطُرِها، فأزَّهم الشيطان أَزَّا، وزيَّن لهم أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم وإنى جارٌ لكم، واتَّبعوا أدعِياء على العلم، وأغبياء فى الفهم، وانساقوا مع من ليس من أهل العلم والاجتهاد ولا الفقه والحكمة، خالفوا أهل العلم واسْتَتَرُوا من ذوى الفقه وخرجوا عن الطاعة، وفارقوا الجماعة، ومضوا على غير سفِيرِ القران ولا هدى الرحمن ولا ثُلَّة المصطفى، فأودَوْ بأنفسهم ومن معهم إلى التَّهلُكة، كفَّرُوا المسلمين واستباحوا الدِّماء، وخانوا العهود، ونقضوا المواثيق، وأشاعوا الرُّعب وامتَهنوا الخراب، وركبوا أمواج الفساد نفَّرُوا الناس من الدين، وشوَّهُوا صورة المسلمين وعرْقلوا مسيرة الدعوة  وعطَّلوا أعمال الخير ، وجرُّوا الويلات على كثيرٍ من الأبرياء، وأُوذِىَ بأسبابِهم مئات الألاف، بل تضرَّرت أوطانٌ بأكملها دون خير يُنال أو إصلاح يسُر أو ثِمارٍ تُذكر إلاَّ العلقم والزَّقوم والنَّكد والتعاسة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، إن العبادة مهما بلغت إن لم تكن مُقيَّدة بالعلم، مظبوطةً بالشَّرع لا تنفع صاحبها ولا تعنى أنه من المصلحين، بل قد تجرُّ إلى الفساد والهلاك، كما قال عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله، ورضى عنه- من تعبَّدَ بدَيْرِ علمٍ كان ما يُفسد أكثر من ما يُصلِح، ويقول تعالى ( ومن الناس من يُجادل فى الله بغير علمٍ ولا هُدًى ولا كتابٍ منير ) ويقول تعالى ( ولا تَقْفُ ما ليس لك بهِ علم ) وكم جر الجَهَلَةُ على الأمة من المصائب على مرِّ تاريخها، وإن هناك ملحظًا مُهمَّا ومسألةً خطيرة فيما يتعلَّق بهذا الفريق، فإن بعضهم ينطلق أول ما ينطلق غيرةً على الدين ونُصْرَةً للإسلام، فتتلقَّفَهُ بعض الأيادى والأفكار الوالِغَة فى العنف والتطرف، فينخرِط نحن لوائها ثمَّ يصطدم بعد ذلك بالواقع بكلِّ فئاته، يقف فى وجه العلماء والفقهاء، يقف فى وجه الحكومات، يقف فى وجه الشُّعوب، يُطارَد، يُحارب، يُلاحق، فلا يقف مع نفسه وقفة تفكير أو مُحاسبة أو نظرٍ فى النتائج، بل يندَفِعْ ويُزيِّن له الشيطان عمله فيصبح يتصرف بتصرفات ويقوم بأعمال لا يدرى لمن ولا لماذا ولا ما هى النَّتائج، وإذا قيل له اتَّقِ الله أخذتْهُ العِزَّة بالإثم، وتتحوَّل أكثر مواقفه إلى ردود فعل وتصفيَةِ حسابات وانتقامات شخصية وتخرج عن دافع الدين تماما، وينطبق على بعضهم أنَّه قتل نفسه لا يدرى فيما قتلها ولا لماذا أوْدَى بها؟ أين هؤلاء من مُنادِى الحق وهُتاف الوحى ( من أجْلِ ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنَّهُ من قتل نفسًا بغير نفسٍ أو فسادٍ فى الأرض فكأنَّما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيَا النَّاس جميعا ) وإن للقرآن الكريم إشارات بديعة، إنه التَّقرُّب إلى الله والإضطِّرَاح بين يديه والخوف من عقابه والطَّمَع فى مغفرته واليقين بأن رحمته وعطائه وفضله سيناله المحسِنون لا المُسيئون والمُصلحون لا المُفسِدُون، وإن المُتأمِّلَ فى أيات الإصلاح يجد المزْجَ القوى بينها وبين التقوى وتزكِية النَّفس وحب الخير وسلامة المقصِد، وأى دعوة للإصلاح لا تجمع تلك الصِّفات فهى دعوة خائبة ومسيرة خاطئة.

 

من صفات المُصلحين:

أولاً: أن يكون صالحا فى نفسه، فكيف يكون مُصلحا من لم يُصلِح نفسه،

ثانياً: أن يمتلك القدرة على الإصلاح، ثالثاً: قاعدة المحبة فإن الحُب أساس أهم فى قبول أى دعوة للإصلاح أو نداء للخير، والحُبُّ إذا انغرسَ فى نفوس المُتلقِّين قبلوا النِّداء وسابقوا للإمتثال وتفانوا فى المُناصرة

رابعاً: البُعد عن الإستعداء: فالمُصلح  إنما يكون رحمةُ وسلاما وسعادةً وسرورا، لذلك يجب أن يضع نُصب عينيه دائما هذه المعانى السَّامية والمُثُلُ الرَّفيعة، سواءًا كان ذلك المصلح دولة أو ملكًا أو شعبًا أو فردا، فكل من تاقت نفسه إلى الإصلاح وتوقَّدت مشاعره للخير، وأدْمَع للمُضِىِّ للنُّهُوض بنفسه وبمن معه إلى آفاق التَّقدُّم والرُّقى والحضارة والوعى والحياة الرائدة فإن عليه أن لا يستعدِى أحدَا عليه، فلا يستفزُّ الدُّول، ولا يُسئ إلى الأُمم، ولا يُؤلِّب عليه الناس، يسير فى طريقِهِ بلُطْف ويمضى على منهاجه بهدوء، ويبعث رسائل الحب والمُنى والآمال لكل من حوله، المُصلح يأمر بلُطف، وينهى برِفق، لا يُصعِّرُ خدَّه، لا يمشى فى الأرض مرَحَا، لا يخْتَلْ مُتافاخِرا، يقصد فى مشيه، يغضض من صوته، يمشى على الأرض هوْنا، إذا خاطبه الجاهلون قال سلاما، إنَّه يُنزِل الناس منازلهم، ويتودَّد إلى قلوبهم ولا يحتقر أحدا، لأن من احتقر السلاطين أفسد دُنياه، ومن احتقر الأتقياء أهْلك دينه، ومن احتقر الإخوان أفْنَى مُرُوءته، ومن احتقر العامَّة أذْهَب صيانته، إنهم وقرٌ للرُّؤساء، ناصح للأقران، غير مُخادِع ولا مُراوغ، لا يبخل فى الغِنَى، ولا ينقاد للهوى، ولا يجمحْ فى الغضب، ولا يمْرح فى الولاية، ولا يُناضل بغير عُدَّة، ولا يُخاصم بغير حُجَّة، ولا يُصارع بلا قوة، ولا يكيل التُّهم ولا يُوزِّع الشتائم، ولا يشْمَت فى أحد، ومن لم يكن معه فلا يجعله ضِدَّه، المصلحون يجب أن يكونوا رحمة للأوطان، قرَّةً للأعين، رحمةً لا شقاءا، نعمةً لا عناءا، بناءًا لا هدْم، وُرودًا لا بارود، زهرات لا مُتفجِّرات، سنابل لا قنابل، إيجابيِّين لا إرهابيِين، رياحينٌ لا دبَّاحين، مُبشِّرين لا مُنفِّرين .

خامسا: الرُّؤية البيِّنَة والمنهاج الواضح

هذه بعض أو أهمُّ صفات المصلحين:الأنبياء وأُسُس الإصلاح، إن الأنبياء كما بينَّنا عليهم السلام هم رسُلُ الإصلاح ورُوَّادُ الفلاح، وإن هنالك من الرَّوائع فى سِيَرِهِم ما لو تأمَّلها المُتأمرون والمُندفعون والمُتشَدِّقون بالإصلاح أيَّا كانوا لأثْمَرت فى حياتهم وغيرَّت إتجّاهاتهم، وتلك الرَّوائعِ تُعتبَرُ أُسُسًا فى الإصلاح وأركانٌ فى الفلاح، ولك أن تسمع الأن وترى العجب والرَّوعة والجمال والجلال والسِّحر الحلال فى القران الكريم وكيف يتبيَّن لنا أن الأنبياء منطقهم واحد وأن أسلُوبهم واحد وأخلاقهم واحدة فى الدعوة إلى الله تعالى.

فأهم تلك الأُسس لدى الأنبياء إخلاص النيَّة لله جلَّ وعلا وابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه وتعالى، ومن أروع أن ذلك منطق الأنبياء جميعا بلسان واحد، يقول تعالى لنبيِّه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وما تسألهم عليه من أجْر إنْ هوَ إلاَّ ذكرٌ للعالمين) ويقول تعالى (ما سألتُكُم من أجرِ فهوَ لكُم، إن أجرِىَ إلا على الله وهو على كلِّ شئٍ شهيد، ويقول تعالى عن نوحٍ عليه السلام وياقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجرِىَ إلَّا على الله) ويقول تعالى عن هود (ياقوم لا أسألُكُم عليه أجرا إن أجرِىَ إلَّا على الذى فطَرَنِى أَفلا تعقلون) ويقول تعالى عن صالح عليه السلام (وما أسألُكُم عليه من أجرْ إن أجرِىَ إلَّا على ربِّ العالمين)، ويقول تعالى عن لوط عليه السَّلام ( وما أسألكم عليه من أجْر إنْ أجرِىَ إلَّا على ربِّ العالمين ) ويقول تعالى عن شُعيبٍ عليه السلام ( وما أسألكم عليه من أجْر إن أجرِىَ إلَّا على ربِّ العالمين ) ولقد كانت تلك حُجَّة الرجل الذى دعى قوم عيسى عليه السلام إلى الإيمان وإلى اتِّباع رُسُلِ عيسى الذين أرسلهم، قال تعالى ( وجاء من أقْصى المدينة رجلٌ يسعى قال ياقومِ اتَّبِعُوا المُرسلين، اتَّبِعُوا من لا يسألُكُم أجرا وهُمْ مُهتدون )

هذا الأساس الأول: طلب الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى.

ثانيا: صدق النصيحة لأقوامهم، واستمع إلى هذا المنطق الجميل لديهم جميعا، قال تعالى عن صالح عليه السلام (فتولَّى عنهم وقال ياقوْمِ لقد أبْلغتُكُم رسالَةَ ربِّ ونصحْتُ لكم ولكن لا تُحبُّون الناصحين)، انظر حتى العبارة، بعد الدعوة وبعد المعاناة وبعد بذل كل ما فى وُسْعِهِ، لم يتكلَّم معه أو لم يشتُمَهُم أو يسبُّهَم بأىِّ عبارات أو بأىِّ كلمات أو إنما هى العبارات التى تدلُّ على الروعة والعظَمَة والخُلُق الكريم هذا الذى يتخلَّقُ به الأنبياء عليهم السلام، ويقول تعالى عن شُعيب ( لقدْ أبْلغْتُكُم رسالاتٍ ربٍّى ونصْحتُ لكم)ويقول تعالى عن نوح عليه السلام ( أُبلِّغُكُم رسالات ربِّى وأنْصح لكم وأعلمُ من الله ما لا تعلمون )، ويقول تعالى عن هود عليه السلام ( أبلِّغُكُم رسالاتِ ربِّى وأنا لكم ناصحٌ أمين ) تبليغ الرسالة والنُّصح والأمانة والصدق فيها.

ثالثا: الحب والرحمة والرِّفق والشَّفقة.

ماذا يقول تعالى عن الحبيب المُصطفى -صلى الله عليه وسلم- ( عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمُؤمنين رؤوفٌ رحيم )، ويقول تعالى ( فبما رحمةٍ من الله لٍنتَ لهم ولو كُنت فظَّا) مهما كان عندك من قوَّة ومن وحى ومن كتاب ومن عدد ومن عَتَاد لو أن قلبك لم يكن بهذه الدَّرجة من الرَّحمة والرِّفق لما استطَعت أن تملك قلوب الناس ولا أن تتربَّع على عروشها، ولكن هذا هو الأساس، لذلك كيف يكون مُصلحٌ بالقوَّة وتجهُّمِ الوجه وعبُوسِهِ والعنف والإرهاب، أنَّى يمكن أن يتربَّع على قلوب الناس، أو أن يكسب مودَّتهم ومحبَّتهم (( فبما رحمةٍ من الله لٍنتَ لهم ولو كُنت فظَّا غلِيظَ القلبِ لانفضُّوا من حولك )) ويقول عليه الصلاة والسلام (إن الله رفيقٌ يحب الرِّفق، ويقول من يُحرَم الرِّفق يُحرَم  الخير كلَّه، ويقول بشِّرُوا ولا تُنفِّرُوا ويسٍّرُوا ولا تُعسِّرُوا) .

رابعا: العلم والحكمة والبصيرة والموعظة الحسنة والمُجادلة بالتِّى هى أحسن

(ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)هذا هو القران يرسُم الطَّريق للرِّفق فى أجمل أشكاله وأبْهَى صُوَرِه حينما يأمر موسى عليه السلام وهو ذاهب لدعوة أشدَّ الأعداء فرعون فيقول( فَقُولا له قولًا ليِّنَا لعلَّهُ يتذكَّرُ أو يخشى ) ولم  يُعرَف عن نبىِّ أنه امتهن العُنف فى دعوته أو ألحق الأضرار بقومه أو امتهَنَ الإختِطَاف والغدر، لم يُعرف هذا فى تاريخ الأنبياء عموما، لو أن فى حياة الأنبياء هذان الأمران، أن الدعوة بالعنف وبالبطْش وبالإساءة وما إلى ذلك وفيها الجانب الأخر، لَقُلنا لعلَّ بعض الناس أخذوا بأحدِ الجوانب، لكن ليس فى حياتهم إلا اللُّطف والرحمة والصَّبر والصدق وابتغاء الأجر من الله سبحانه وتعالى.

خامسا: الإصرار والصبر وعدم الملل أو الإستعجال، أنظر إلى شاهد واحد وهو نوح عليه السلام (قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً* فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) ويونُس عليه السلام لما غضب ويئس من قومه وخرج من بينهم ضيِّقَ الصدر، مُكدَّر الخاطر، يونس عليه السلام حينما ضجَّ بقومه قال نخرُج أرض الله واسعة، فترك قومه وخرج، ولم يستطع أن يصبر أو يتحمَّل وخرج قبل أن يأذن الله له، فماذا كانت النتيجة  (وذالنُّونِ إذْ ذهب مغاضِبًا  فظنَّ ألَّنْ نقدِرَ عليه، فنادى فى الظُّلُمات أنْ لا إله إلَّا أنت سُبحانك إنِّى كنت من الظالمين ) ويقول تعالى للنبى صلى الله عليه وسلم ( فاصبِر لِحُكْمِ ربِّك ولا تكُنْ كصاحب الحوتِ إذْ نادى وهوَ مكْظُوم، لَولا أن تَدَارَكَهَ نِعمَةٌ من ربِّهِ لَنُبِذَ فى العراءِ وهو مَذمُوم)

 

سادساً: وهو من أهم الأسس بل هو الأساس الأجمل والعنوان الأكمل لهذه الشريعة وروعتها وجمالها، هو روحها ولُبُّها، إنه العدل هذا هو الرُّكن الأهم والأساس الأجلُّ بعد الإخلاص لله سبحانه وتعالى، بالعدل تقوم الأمم وتزدهرُ الشعوب، حتى ولو لم تكن مُسلمة، وبالظُّلم والجور تسقط الدُّول وتطيح الكيانات حتى لو كانت مسلمة، ولذلك أمر الله تعالى أنبياءه بالعدل حتى مع خُصومهم، قال تعالى (يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ )

ويقول تعالى (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ )

ويقول تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا)

هذه إلماحة سريعة إلى بعض الأسس والأصول الى يقوم عليها الإصلاح فى كل زمان ومكان، وهى أمورٌ يحبها الله ويحبها الناس وتُؤيِّدُها الفِطَرْ وتٌقرُّها العقول وتهفوا لها النُّفوس وتصلُحْ بها الشُّعوب، وتزكُوا معها القلوب، وإننا نجد دعوات المُصلحين الصادقين وسِيَرِ العلماء المُخلصين على مرِّ التاريخ تفوح بأريج الحكمة وتنطق بروائع البصيرة وتمضى على سبيل الرِّفق والصِّدق والصبر، فلماذا يترك الإنسان هذا السبيل النيِّر الخيِّر المحمود المثمر ويتردَّى فى مهاوى ومسالك وسراديب مُوحِشة، لماذا يدعُ القُدوات المشرقة ويحذوا حَذْوَ الشواذ من الناس ممن لا علم لهم ولا فقه ولا بصيرة، إن هذا لهُو الخُسران المُبين .

 إن الإصلاح الذي ينبثق من الدين هو ما يكون رحمة وسلاماً، ولطفاً وسعادة، وسمواً وإشراقاً؛ إصلاح يهب كالنسيم العليل، ويمضي كالجـداول الرقراقـة، ويتدفق كالأنهار العذبة، يروي الظمأ، ويذهب العطش، ويسعد الأرواح، ويبهج القلوب، ويقر الأعين، وينبه الغافل، ويعلم الجاهل، ويهدي  التائه، ويرشد الحيران، ويوحد الصف، ويجمع الكلمة، وينبذ الهوىٰ، ويمقت العقد، ويأبىٰ الطغيان، ويأنف الجور، ويتزيا بالعدل، ويتجمل بالعقل، ويستنير بالحكمة، ويمضي علىٰ بصيرة؛ الدليل ديدنه، والحجة عنوانه، والإقناع برهانه؛ إصلاح يفرح به المسلمون، ويسر به المؤمنون، ويشرق بروعته الحاقدون والمغرضون.

أما الدعاوىٰ الزائفة، والشعارات الطائشة، والاتهامات المنمقة، والشبهات المموهة، فهي دلالة علىٰ حمق أصحابها، وبرهان علىٰ جهل أربابها، لا تهدي ضالاً، ولا ترد غاوياً، ولا تصنع معروفاً، ولا تثمر فضيلة.

وإن العجب لا ينقضي من أناس يتبجحون بالإصلاح، وإرادة الخير، ونصرة الدين، ثم يخالفون منهج الدين، وسمو المنهج، وصفاء الرسالة، يثيرون الفتن، ويشعلون الإحن، ويزرعون الفرقة، ويفرحون بالفوضىٰ، بل يعزفون ألحان الرضا علىٰ ترويع الآمنين، وقتل المسلمين، وتخريب المنشآت، وتفجير المجمعات، وإن لكل شيء ثمرة، فما هي ثمار أفعالهم؟! ولكل فعل نتيجة، فما نتائج أفكارهم؟! لقد استثارت المسلمين، وأثارت غضب الموحدين، وعمقت الكُرْه والبغض لأولئك المرجفين، ثم عادت عليهم الحسرة والندامة، والخيبة والخسران، والمحق والتشريد، بما كسبت أيديهم، وجنَتْه أفكارهم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.

إن المصلح الذي يحبه الله ويحبه عباد الله هو الذي يمضي علىٰ نور من الله واتباعٍ لنبيه، يدعو إلىٰ الكتاب، ويقيم الصلاة، ويستقيم علىٰ الجادة، قال تعالىٰ: (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ) [الأعراف:170].

وإن الله تعالىٰ قد رتب أشد العقوبة علىٰ أي عمل يؤدي إلىٰ الفساد في الأرض، فقال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة:33].

إن للقرآن الكريم إشارة بديعة، وإلماحات جميلة، واستمع إلىٰ قوله تعالىٰ: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف:56]، إنه ينهى عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها، ثم يرشد إلىٰ الفعل الجميل الذي هو الإصلاح بعينه، والفوز برمته، وهو التقرب إلىٰ الله، والانطراح بين يديه، والخوف من عقابه، والطمع في مغفرته، واليقين بأن رحمته وعطائه وفضله إنما يناله المحسنون وليس المسيئين، والمصلحون وليس المفسدين.

إن المتأمل لآيات الإصلاح يجد المزج القوي بينها وبين التقوىٰ، وتزكية النفس، وحب الخير، وسلامة المقصد؛ وأي دعوىٰ للإصلاح لا تجمع تلك الصفات فهي دعوة خائبة، ومسيرة غاوية؛

وإن المفسدين من جميع الأطراف والتوجهات مهما حاولوا الإصلاح أو ادعوه فلن تفلح جهودهم، ولن تثمر أعمالهم حتىٰ ولو تخللها شيء مما يصلح للناس أو يصلح به الناس، فهم في الأصل أصحاب فساد، وسلكوا سبيل فساد، وهذا لا يُصلح أبدا: (إِنَّ اللهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس:81]؛ قال الأصفهاني في هذه الآية: إن المفسد يضاد الله في فعله فإنه يفسد، والله تعالىٰ يتحرىٰ في جميع أفعاله الصلاح، فهو إذا لا يصلح عمله.

إن الصلاح والإصلاح ومحاربة الفساد والإفساد طريق للعزة، وسبيل للكرامة، وعنوان للفلاح، ورفعة للأمم، وحفظ للشعوب، وكسب لمرضاة الواحد الأحد، ونجاة من عقابه: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ) [هود:116]، وإن الحاجة إلىٰ الإصلاح من الأمور الملحة في حياة الفرد والأمة: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود:117].

إن الطريق إلىٰ الصلاح والإصلاح يقتضي العقل والعدل والحكمة حتىٰ تثمر جهود المصلح، وتؤتي أكلها؛ وأما سلوك سبيل المفسدين فلا يصلح، والسير في ركب المنافقين والشهوانيين لا يصلح، وكذلك التهور باسم الدين لا يصلح، والعنف والتخويف والإرهاب لا يصلح، بل هو سبيل المنهزمين، وطريق العابثين؛ إن الطريق الوحيد للإصلاح الحقيقي، الإصلاح النافع الماتع الخيِّر النيِّر هو طريق الأنبياء -عليهم السلام-.

إن علىٰ المسلمين أن يسعوا لإصلاح قلوبهم، وإصلاح نياتهم، وإصلاح أعمالهم، وإصلاح مسيرتهم الحياتية سياسيا واقتصاديا وإداريا، إصلاحاً ينبعث من قلوب مخلصة، وأنفس مؤمنة، وأرواح زكية تسعىٰ للإصلاح؛ رغبة في الإصلاح، رغبة في الرقي، رغبة في العزة، رغبة في الكرامة، لا تسعىٰ للإصلاح وتنادي به، ويبقىٰ مجرد شعارات جوفاء، وعبارات خرقاء، ثم يمارس الفساد، ويعاقر الفسق، ويستمرأ الظلم، فأولئك عاقبتهم الخسران في الدنيا والآخرة: (وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) [البقرة:220].

 

هل أعجبتك ؟؟ .... انشرها الآن على الصفحات الإجتماعية ..

التعليقات

أضف تعليق