مِنَ العُلَمَاءِ الَّذِينَ تَوَطَّدَتْ صِلَةُ الدُّكْتُورِ نَاصِرٍ بِهِمْ، وَنَشَأَتْ َبَيْنهُمْ عَلَاقَةُ وُدٍّ وَمَحَبَّةٍ وَصَدَاقَةٍ، سَمَاحَةُ الشَّيخِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدُ بنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ وَقَدْ رَثَاهُ بِقَصِيدَةٍ مُؤَثِّرَةٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَصْدَرَ كِتَابًا عَنْهُ بِعُنْوانِ (ابنُ عُثَيْمِينَ الإِمَامُ الزَّاهِد). وقد كتب فضيلتُهُ في هذا المجلد ما يهُزُّ القلوب ويحرِّك المشاعر من عِظَمِ مكانةِ الإمام العلَّامة إبن عُثيمين، وهذه نبذة مُيَسَّرَة مِمَّا احتوى هذا المجلد العملاق الذى يحمل في طيَّاته كلماتٌ وأقوالٌ تُوزَنُ بميزان الذهب.

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُو تَبْدِيلاً )الأحزاب23

 

إنَّ فَقْدُ العلماء الرَّبانيِّين نازلةٌ كُبرى، وكارثةٌ عُظمى، وغياب حَمَلَة الوحى ثَلْمَةٌ فى الدين، ومُصاب للمسلمين، وألم للمُؤمنين، وحُزنٌ للمُوحدين، فكيف إذا كان الغائب ابن العثيمين؟ وما هو الحال إذا كان المفقود هو الكنز الثمين ؟.

فلقد رُزِئت أمة الإسلام فى هذا الزمن بفقد أئمةٌ علماء، وهُداة أولياء، ودُعاة أصفياء، غابت أصواتهم، وانقطعت نبراتهم وتولَّى ركْبُهم، وانقضى نحبهم، وجف عطرهم وانتشر عقدهم وتحقق بُعدهم، ولكن العزاء فيهم : حياة آثارهم، وعبير أخبارهم وعَبَقِ أصدائهم، وجميل أنبائهم .

رحل الإمام الجليل والعالم النبيل الذي عَلَّقَت عليه الأمة آمالها بعد الله عز وجل، فإذا بركب العلم والإيمان كأنما يَتيهُون في صحراء الحياة دون دليل يهديهم الطريق، وحادٍ يحدُوا الرَّكب، ومَشْعَلٍ يضئ الظلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله، رَحَل الإمام الجليل فأمسكت بقلمي وأرسلته لِيُدَوِّن شيئا من خلجات الفؤاد وَأَصْدَرَتِ الرُّوح أمرها أن أكتُبَ كل ما هو كائن عن حدثِ موت الإمام، وبدأت هذه الرحلة العظيمة فى الرَّصد والمتابعة والتدوين لكل ما جاءت به أقلام المحبين في إمامهم العظيم، وكتبت ذلك السِّفْرُ الذي ما هو إلا قطرة فى دموع الرِّثاء.

لقد منَّ الله علىَّ فكنت أول من ألف حول سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله، إذ يجود علىَّ رب العالمين لأسْبِقَ لنَيْلِ رضى المُحبِّين بإيناسِ قلوبِهِم بكتاب عن ابن عثيمين حامل راية الدين وآمل من الله تعالى أن تجد قوافل المُحبين فى هذا الكتاب ما يسلِّى نفوسهم ويسعد قلوبهم، وأن يعظِّم به الحسنات، ويرفع به الدرجات، فهو الأعلم بالنيات، وتناولت فى ذلك المُجلَّد عَظَمَةَ هذا الإمام العلَّامة، والبحر الفهَّامة، ولكنها إشارات عابرة وخواطر موجزة، فماذا عساى أن أكتب فى سماحته إلا أنه كان رَحِمَهُ الله رَضِىَّ الخُلُق، خفيف الظل، دائمُ الإبتسامة، مشرِقَ الوجه مُتهلِّل الجبين، ليِّن الجانب، مُهذَّب العبارة، لا يستكبر ولا يتعاظم، حفيًا بالعلماء، ذاكرًا لفضلهم، متَأسِّيًا بهم، مُترَحِّمًا عليهم، مناضلاً عن جنابهم، ذائدًا عن حِيَاضِهِم، أخذ منهم أحسن السِّمات، وتحلَّى بأجمل الأخلاق، لا يدَّخِرُ وُسْعًا ولا يعرف كلَلًا، ولا يَضِنُّ بعلمه، ولا يفتُرُ عن نهجه، ولا يبخل بعونه، ولا يتمسَّك بكتابه، ولا يحتفظ بحقوق تأليفه،

فَهُوَ عنصرٌ كريم، ومعدن شرفٍ عظيم، أصلٌ راسخ وفرع شامخ، ومجدٌ باذِخ، مُتمكِّنٌ فى علمه، مُتَأّنٍّ فى كلامه، مُدقِّقٌ فى عباراته، مُوثِّقٌ لِنُصوصه، مُحترمٌ لجمهوره، مُهتمٌ بطُلَّابه، مُعتنٍ بِمُريديه، مُكرِمٌ لمُجِيئيه، مُسعِدٌ لمسامريه، مُؤنِسٌ لمُجالسيه، عالى الهمَّة، عظيم الغَيْرة، ساكن الهيبة، رقيق الحاشية،خفيض الصوت، ذكى الفُؤاد، وهبه الله تَوقُّد القريحة ونَفَاذَ الصبر، وقوة الفهم ووضوح الحجة، وبيان المَحَجَّةِ، وجمال الرُّؤية، وصفاءُ النية وسلامةُ الطَّوِيَّة – كما نسحبُهُ- وحسنُ التَّأنى لما يحاول، مع كريمُ الخُلُق، وطيب التعامل، يتميز بنقاء السِّيرة وحُسنُ الإبانة، وعميق الديانة وأداء الأمانة وتالُّق اللغة وتأنُّقُ العبارة، ودِقَّة الإشارة وعُذوبة اللفظ، وغزارة الحفظ وإحكام الإبرام والنقضْ، ومتانة الكلام، وإجادة الإفهام، وجزالة الأسلوب وكسب القلوب، وحَسَنُ الشِّرح عما يَعْنِ من سوانح الفكر، وما وعاه صدره من أفانين العلم وقطوف المعرفة كثير،، فهو دقيق الفهم لأسرار الكتاب والسُّنة، واسع الإطِّلاعِ على آراء المُفسِّرين، والمُحدِّثين والفُقهاء والأُصُولِيِّين، والمُتكلِّمين، واللُّغَوِيِّين، والبلاغييِّن.

فلقد طلعت شمس الفقه من أُفُقِ أفكاره، وتفجَّرت ينابيع العلم من خلال آثاره، وجرَتْ فى أنفُسِ المُحبِّين روائع أنهاره، جلَّا بكلامه الأبصار الكليلة، وشحذ بموعظِه الأذهان العليلة، وسلك فى طريق العلم خير وسيلة، فلم ولن يُهزَمُ من كان الكتاب والسُّنة دليله،،

فاللهم اغفر ذنبه وارفع درجته وأكرم نُزُلَهُ ووسِّع مُدخَلَه إنك سميعٌ مُجيب، ولا حول ولا قوة إلَّا بك، عليك توكَّلنا وإليك أنبْنا، وأنت على كل شئ قدير،،،

وهذه بعض أبيات الرثاء من قصيدةٍ بعنوان (حادِىَ الرُّوح) التِّى نُظِمَت فى سماحة الشيخ الفقيد ابن العُثيَمِين رحمه الله.

 

تَمَزَّقَتْ مُهْجَتِي وَاهْتَزَّ وِجْدَانِي ـــ وَقُوِّضتْ خَيمتي وَانْهَدَّ صِيوَاني 


وَجَفَّ نَهرٌ من الإجلال في لغتي ـــ وَأَجْدَبَتْ كَلُّ خضراءٍ بِبُسْتَانِي 


في لُجَةِ الْهَوْلِ والأمواجُ تَعصِفُ بي ــ يغيب طاقَمُ إِبحارِي وَرُبَّانِي 


ما لِلحَوَادِثِ تَرْمِينِي قَذَائِفُهَا ـــ بِوَابِلٍ من لَظَى هَمٍّ وَأَحْزَانِ 


كَمْ بِتُّ يُدْمِى فُؤَادِي من فَوَاجِعِهَا ـــ وَأَيْقَظَتُ مِن هُمُومِي كُلَّ وَسْنَانِ 


وأشعلتُ من ضِرَامِ الهَمِّ في كبدي ـــ وبَلَّلْتُ بِدُمُوعِ الحُزنِ أَجْفَانِي 


عَامان أبكي على شيخي وأَندُبُه ـــ واليومَ أَفْجَعُ فِي مَحْبُوبِيَ الثَّاني


مات العثيمين فَالْأَلْبَابُ ذَاهلةٌ ـــ والهمُّ يَكوي حَنَايَاناَ بنِيرَانِ 


تَبَدَّدَتْ أَحْرُفِي من هول ما كَتَبَتْ ـــ وأجْهَشَت بالبكاء المُرِّ أّوْزَانِي 


ما أعظم الخطبُ ما أدهى مصيبتنَا ـــ فالأرضَ تَندِبُ إذْ وَلَّى الإِمَامَانِ 



ودولةُ العلمِ تَشْكُو من تَهَدُّمِها ـــ وبؤسها بعد أن مات الرئيسان 


يارب رُحمَاكَ من أمرٍ يُرَادُ بِنا ـــ ما للأئمة في موتٍ ونُقْصَانِ 


يَا مَوتُ قَرَّحتَ أجفاناً مُسَهَّدَةً ـــ بفقد صفوةِ أحبابٍ وخِلَّان 

 


يا رب فاجْبُر مُصَابًاً في أئِمَّتِنَا ـــ وامْنُنْ بحُسنِ الرِّضى يا خير منَّان 


وكلُّ من صاغ حرفًا في مودَّتِهِم ـــ  أُهدِي إليه تحيَّاتي وشُكراني 



ياربِّ يا سامعًا صوتِي ومسْألتِي ـــ يا واسع الفضلِ في عَفْوِ غُفْرَانِ 


امْنُنْ عليه بغفرانٍ ومنزلةٍ ـــ عظيمةَ القدْرِ في جنَّات رِضْوَانِ 


في رِفْقَةِ المُصطفى الهادي وصُحْبَتِه ـــ مُنَعَّمُ القلبِ في رَوحٍ ورَيْحَانِ

 

هل أعجبتك ؟؟ .... انشرها الآن على الصفحات الإجتماعية ..

التعليقات

أضف تعليق

آثار الذنوب

المعاصي سببٌ للهلاكِ، ومؤهلٌ للدمارِ، وجالبٌ للغضبِ، وَمَحلٌ...

آداب المجالس

الحياة أفنان، والمتع ألوان، والملذات أصناف، والمسلِّيات آلاف؛ ولكن...

أسرار أركان الإسلام

قال -صلى الله عليه وسلم-: "بُنِىَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ...